fbpx
السبت , نوفمبر 27 2021

أيه فيه أمل

كمال الشارني
يلومني الكثير من أصدقائي عن حالة الإحباط التي أبثها في الناس على قلة من يهتم بما أكتب أو أقول في الإذاعة، حول مستقبل البلاد، أنا واقعي إلى حد الألم في اللحم الحي لما يتعلق الأمر بالحقيقة المرة، رومنسي إلى حد السذاجة لما يتعلق الأمر بأحلامي، لست محبطا، أنا فقط تعودت على شظف العيش والحرمان وصعوبة البقاء على قيد الحياة منذ أن حملتني أمي رضيعا وهي في السابعة عشر ملفوفا في محرمة رأس على ظهرها تحت الشمس الجهنمية لريف دير الكاف لتحصد القمح بالمنجل.
تعلمت اختراع الأمل حين لم يكن حظي من الدراسة يتجاوز واحدا بالمائة، على بعد ثلاثة أودية سحيقة في زمن الفيضانات التي لا تنتهي، وكلاب أهلية تمزق الغرباء وذئاب أكلت صديق طفولتي جمال ولد جفال فلم تترك لنا منه سوى ما بقي من ساقيه في عمق البوط الأزرق الذي تسلمه إعانة من المدرسة.
تعلمت خداع الحنين إلى أمي وبيتنا حين أخرج كل يوم من المدرسة العدائية وحيدا، كان كل شيء يشير وقتها إلى أني سأرث رعي الماعز وتربية ستة كلاب بدوية شريرة وأن أتزوج إحدى بنات الأسرة وأنجب ستة أبناء، في كوخ ذي بابين تصفر فيه رياح دير الكاف الشتائية، وأن أغطي رأسي بمنشفة ضخمة، وأبكي لأعوان الحرس والعمدة دون أن تكون لي أية علاقة بالدولة أصلا، إلا أني فزت بجائزة “شلك شلك سلام عليكم” بعد أول ثلاثية مدرسية لي، وأعجب بي المعلمون، وأصبحت المعلمة العزباء الجميلة ذات النظارتين ترسلني إلى بيتها لجلب أشياء لا أفهما فأجلب لها أي شيء، وكانت تدرس معي فتيات جميلات مثل الدمى يضعهن المدير قربي ليسرقن مني ما أكتبه، أغراني ذلك بأن أكون الأول طويلا، لكني كان علي أن أعيد اختراع أسباب البقاء حيا في غرفة الإيقاف في مركز الشرطة في تاجروين طيلة خمسة أيام من التعذيب، ثم أن أجد مبررات أخرى أكثر وجاهة لكي لا أستسلم للموت كمدا في سجن الكاف ثم في سجن القصرين، في سيارات الكونفة بين السجون، في غرف العزل الإنفراد، في أيام اليقظة التي تطول ونحن صغار في السجون نتنازل عن النوم من أجل حماية مؤخراتنا، لكي نبقى رجالا كما وعدنا أمهاتنا في آخر زيارة في السجن بين رواقين والكثير من الضجيج.
ليس اختراع الأمل هو الذي ينقصنا، فأنا أقف مثلكم في شرفة بيتي عند الساعة الثانية ليلا، محروما من النوم، بسبب عصابة مراهقين أو لصوص يكدرون نوم الناس متسائلا عما إذا كانت هناك شرطة في هذا الوطن ؟ أتقدم بحذر بسيارتي رغم أن الضوء أخضر، متسائلا عما إذا كان هناك معتوه سيقطع علي أولوية المرور لاعتقاده أنها بلاد بلا حاكم، أتساءل مثلكم عما إذا كان مسؤول يتحمل المسؤولية حقا وأنا أرى أضواء الطريق تشتعل نهارا، أتفاوض بمرارة مع منحرف يفرض إتاوة على سيارتي في الطريق العام أمام الشرطة، إنما الحقيقة الثابتة: أكتب هذا لأني أحلم بوطن أجمل، إن كل هذه المرارة هي ثمرة الأمل، الشيء الوحيد الذي أقدر عليه لأجل أن ترغبوا في وطن يقترب من الحلم.

شاهد أيضاً

فجأة، اكتشف التونسيون الصراع الأهلي في ليبيا

كمال الشارني ياخي فجأة، اكتشف التونسيون بعد ست سنوات من احتداد الصراع الأهلي في ليبيا …

عن حلف ليبيا – تركيا وبحرنا بيد الطليان

كمال الشارني شوية تفاصيل مهمة ضد الضجيج الإعلامي في تونس: جماعة السراج لم يتجاهلوا أحدا …

اترك رد