fbpx
الأحد , نوفمبر 28 2021

تعقيبات على خطاب رئيس الدولة التونسية في عيد المرأة

عادل بن عبد الله
في بلاد الاستعارات الميتة، في البلد التي تتحوّل فيها الإملاءات الدولية إلى مبادرات رئاسية -إذ نصّت المادة 14 من قرار برلمان الاتحاد الأوروبي المؤرخ في 14 سبتمبر 2016 على طلب رسمي من تونس يتعلق بإلغاء أشكال “التمييز” ضد المرأة وتنقيح مجلة الأحوال الشخصية- وأساسا الزواج والمساواة في الإرث -كشرط من شروط تقديم المساعدات-، قد يكون من المفيد أن ننطلق من حكاية مثلية.
يُروى أن أحد اليهود ذهب إلى حبر من أحبارهم واشتكى إليه ضيق بيته. فما كان من الحبر إلا أن أمره بأن يحمل الحيوانات التي في زريبة داره ويسكنها معه في البيت. ففعل اليهودي ذلك. وبعد مدة سأله الحبر عن أحواله. فقال له يا سيدي: لقد طلبت منك أن توسّع علي فإذا بك تفتيني بما ضيّق عليَّ أكثر من ذي قبل. فقال له الحبر: إذا رجعت إلى منزلك فأرجع إحدى البقرات إلى الزريبة، وافعل ذلك مع باقي الحيوانات، واحرص على أن تُرجع كل يوم حيوانا واحدا فحسب، فإذا أرجعتها كلها إلى الزريبة زُرني وستفهم عندها الحكمة من فعلي. ففعل اليهودي ما أُمر به ثم جاء إلى الحبر وعلى وجهه علامات السرور والرضا. فقال له الحبر: كيف حالك الآن. فقال: بخير حال يا سيدي، لقد اتسعت الدار لي ولأهل بيتي وإني الآن في نعمة أُحسد عليها، ولم أكن لأعلم سعة منزلي من دون حكمتك، وإني لك من الشاكرين.
سواء أكان السيد قائد السبسي وفريقه على علم بهذه الحكاية المثلية أم لا، من المؤكد أنّ أوامر المتحكمين الدوليين فيهم -وبالتالي ما يؤسس السلوك السياسي لوكلائهم في الداخل- يستعيد فلسفتها العامة. فلكي يبتعد السجال العام عن مصالح فرنسا وغيرها من القوى الدولية والإقليمية، ولكي يُنسيَ السيد قائد السبسي قاعدته الانتخابية ما جاء في البرنامج الانتخابي لحزبه من وعود زائفة (ضخ آلاف المليارات الخليجية في الاقتصاد التونسي، تحقيق نسبة نمو تفوق 5 في المائة، الكشف عن قاتل الشهيدين شكري بلعيد والبراهمي، عدم التحالف مع حركة النهضة، تشغيل مئات الآلاف من الباحثين عن العمل، مقاومة التضخم وتقوية الدينار التونسي، القضاء على الإرهاب، مقاومة الفساد الإداري…الخ) اعتمد دائما سياسة الهروب إلى الأمام، وذلك بطرح مبادرات تشريعية سمتها تعميق الاستقطاب السياسي والاحتقان الاجتماعي. وكان على جميع الفرقاء أن يستفرغوا طاقاتاهم إما في مساندتها أو في انتقادها، بحيث يكون من المحال الدفع بالسجال العام نحو منطقة يجد فيها رئيس الدولة وعلى ما تبقّى من حزبه أنفسهم مضطرين إلى مواجهة وعودهم الانتخابية، بل مواجهة فضائح الكثير من وزرائهم الذين تعلقت بهم شبهات فساد جدية.
لا شك في أنّ المبادرتين اللتين أطلقهما رئيس الجمهورية بمناسبة عيد المرأة (أولا إلغاء المنشور الصادر عن وزير العدل بتاريخ 5 نوفمبر 1973 والقاضي بمنع عدول الإشهاد وضباط الحالة المدنية من إبرام عقود زواج المسلمة بغير المسلم، ثانيا التسوية في الميراث بين الجنسين)، تتنزّلان في الفلسفة السياسية ذاتها. ذلك أنّ رئيس الدولة سيزيد في مشاكل البلاد ولكنّه سينسي الناس الكثير من مشاكلهم المرتبطة بـ”وضعية الانطلاق”، أي المرتبطة بوعوده الانتخابية هو وحزبه. وهو ما يعني واقعيا أن ينشغل الجميع مرة أخرى بسجالات هووية ثقافوية سيكون له خراجها أنّى أمطرت.
ومهما كان مستقبل مبادرتيه، فإن رئيس الدولة قد جرّ خصومه و”شريكه اللدود” إلى المنطقة المفضلة للعقل السياسي الدستوري-التجمعي: منطقة الصراعات الهووية التي ستجعل من الخطاب النيو-تجمعي هو الخطاب الكبير أو الخطاب المرجعي “الوسطي” الذي سيُجنب البلاد غلوّ الإسلاميين وتطرف اليساريين.
بعد الخطاب “التاريخي” لرئيس الدولة، كاد السجال العام في وسائل الإعلام التقليدية وفي وسائل التواصل الاجتماعي أن ينحصر في قضية التسوية في الميراث. أمّا قضية إلغاء منشور سنة 1973 الذي يمنع زواج التونسية المسلمة من غير المسلم، فإنه لم يشهد الحماسة نفسها ولا الانقسام الحاد عينه لأسباب تحتاج إلى دراسة معمقة.
ولا يمكن الاحتجاج لهذا “التهميش” بأنّ قضية زواج المسلمة بغير المسلم يضبطها منشور مخالف لأحكام الدستور ويكفي إلغاؤه لحل المسألة. كما لا يمكن الاحتجاج بأنه لا وجود لقانون يمنع ذلك، خاصة وأنّ منشور سنة 1973 مخالف لما جاء في الفصل 14 من مجلة الأحوال الشخصية. فهذا الفصل يذكر أن الموانع الشرعية للزواج هي موانع مؤبدة أو مؤقّتة، ولا وجود فيها لما يمنع زواج المسلمة بغير المسلم. لكنّ هاتين الحجتين وغيرهما لا يمكن أن تُقدما إجابة حاسمة عن السؤال التالي: لماذا يقبل التونسيون ضمنيا أن تتزوج المسلمة بغير المسلم ولا يقبلون أن تكون مساوية للرجل في الميراث؟.
لا شك في أنّ قضية الميراث هي قضية رمزية واقتصادية كبيرة عند مختلف الفاعلين الجماعيين من إسلاميين وعلمانيين، بل إنها تجعل من قسمة الناس إلى إسلاميين وعلمانيين قسمة بلا معنى ولا تمتلك أي قدرة تفسيرية. فالانقسام في هذه المسألة هو أساسا بين المتدينين تدينا تقليديا -أي الملتزمين بالتراث الفقهي وبأحكامه القطعية حتى إن لم يكونوا من الملتزمين دينيا-، وبين المتدينين تدينا غير تقليدي ومعهم غير المؤمنين أو اللاأدريين. ذلك أنّه يوجد من غير الملتزمين دينيا من يرفض المساس بأحكام الدين المأخوذة بالاعتبار في المدونات الفقهية، كما يوجد من الملتزمين دينيا من ينظر إلى المسألة نظرا مقاصديا يتجاوز حتى الشاطبي نفسه ويجعله يلتقي موضوعيا مع غير المؤمنين واللا أدريين، أي مع أولئك الذين يعلنون انتماءهم للإسلام “حضاريا” و”أنثروبولوجيا” لا دينيا.
بعد هذه المقدمة المطوّلة للسياق العام الذي يتنزل فيه خطاب الرئيس و”مبادرتيه” (أو بالأحرى إملاءات الاتحاد الاروبي على تونس)، يمكننا أن نطرح جملة من الإشكاليات التي سنحاول أن نقدم لها بعض عناصر الإجابة في الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله:
• ما هي التأثيرات الممكنة لكون مبادرة الرئيس لا تعكس حركية مجتمعية عفوية ونقاشا عاما صادقا وعقلانيا بقدر ما تعكس إملاءات “المانحين” الأجانب، خاصة إملاءات فرنسا المسكونة بالنزعة الاستعمارية الثقافية بدعوى الدفاع عن “الحقوق الكونية” للمرأة وغيرها؟
• هل يمكننا اعتبار الإسلام السياسي -من باب مكر العقل في التاريخ أو مكر الغرب بالثورة- هو الشرط الضروري لتمرير ما عجز عنه بورقيبة ومن بعده المخلوع من تشريعات، وما هي حدود حركة النهضة في التعامل مع هذا الواقع المعقد؟
• كيف يمكن التعامل بإيجابية مع مقترحات الرئيس دون الوقوع في المركزية الأنثوية بديلا عن المركزية الذكورية المهيمنة، أي كيف يمكن جعل أي مبادرة تشريعية تهدف إلى التقدم بالمجتمع نحو وضعية جديدة -وأكثر إنسانية- قابلة للتحقق في ظل المقاومة المتوقعة من العديد من الأطراف، وفي ظل رغبة أطراف أخرى بألا يكون “الغُرم على قدر الغُنم”؟
• هل من معنى للحديث عن إخراج الدين من السياسة في ظل هيمنة السلطة السياسية على الدين ومحاولة فرض خياراتها على مجموع “المؤمنين”، وإلى أي حد يعيق رئيس الجمهورية -ومن وراءه من لوبيات الضغط النسوية والفرنكفونية- انبثاق حقل سياسي طبيعي؟
• ما هي الاستتباعات المنطقية والتشريعية لتغيير نظام المواريث، خاصة وأن نظام المواريث هو جزء من “منظومة” Systeme الأحوال الشخصية، كما أنه انعكاس لبنية مجتمعية معينة من جهة الالتزامات المتبادلة بين الذكور والإناث؟
• هل يمكننا أن نتحدث عن “توافق” يحكم الواقع السياسي التونسي -باعتبار الصيغة الصرفية دالة على المشاركة والحركة في الاتجاهين-، أم إن علينا تسمية الأشياء بأسمائها والحديث عن النهضة باعتبارها “إسلاما وظيفيا” لا يختلف في شيء عن “اليسار الوظيفي” من جهة دورهما “المشبوه” في تأبيد منظومة التسلط والتبعية؟
في هذا الجزء الثاني من المقال سنحاول -تعميقا للنقاش ودفعا به نحو مناطق من اللامفكر فيه- أن نتعامل بإيجابية مع مقترح رئيس الدولة في التسوية بين الجنسين في الميراث. ولكن علينا أن نتذكر قبل كل شيء أنّ القاعدة القانونية المعنية بالسجال، هي من بين القواعد التي تحاول أن تنشئ واقعا جديدا لا أن تدير واقعا قائما. وهو ما يعني أنّ من المنطقي أن تواجه بمقاومة اجتماعية كبيرة لا يمكن حصرها في الفئات المتدينة أو حتى المحافظة، بل هو رفض يجد جذره في التمركز حول الذكر وما يرتبط به من مفاهيم وصور ومصالح مادية ورمزية.
نظريا يمكن أن نقول إنّ مصير هذه المبادرة لن يخرج عن الفرضيات الثلاث التالية:
1. رفض المقترح والإبقاء على التشريع الحالي المنظّم للمواريث، وهو ما يتنافى مع “إملاءات” الاتحاد الأوروبي وشروطه الموضوعة لمساعدة تونس اقتصاديا، كما أنّ هذا الرفض سيضع الرئيس وحزبه في موضع حرج أمام قاعدته الانتخابية وأمام “حلفائه” فيما يُسمّى بالعائلة الديمقراطية. ولا شك في أنّ هذه الفرضية ستُضعف من مصداقية مؤسسة الرئاسة ومن سلطتها المرجعية، التي تكاد أن تُحوّل النظام البرلماني المعدّل المكفول بسلطة الدستور إلى نظام رئاسوي مكفول بقوّة الواقع وطبيعة التوازنات التي تحكمه. ولذلك من المستبعد أن يقبل السيد قائد السبسي فشل هذه المبادرة، خاصة أنه قد أثبت في مبادرات أخرى -لا تقل عن مبادرته هذه إثارة للجدل وانحيازا لفئة من التونسيين دون أخرى- قدرة كبيرة على ابتزاز حركة النهضة وتطويعها لتوفير الأغلبية اللازمة لتمرير الجوهري في مبادراته التشريعية، رغم كل احترازات المعارضة السياسية والمدنية.
قد يكون من باب مكر العقل في التاريخ -أو لنقل من باب الآثار غير المقصودة للحظة الثورية المجهضة- هو أنّ ما يجعل من إمكانية فشل مبادرة الباجي إمكانية تقارب الصفر، هو وجود حركة النهضة ذاتها. فوجود الإسلام السياسي -وتحديدا وجود حركة النهضة ضمن الحقل السياسي القانوني لا باعتبارها “إسلاما ديمقراطيا” فقط، بل باعتبارها “إسلاما وظيفيا” يستعيد دور اليسار الوظيفي وإن من موقع مغاير- أصبح شرطا ضروريا لتمرير ما عجز عن تمريره بورقيبة ومن بعده المخلوع ابن علي. إننا أمام وضعية متناقضة ظاهريا ولكنها قابلة للفهم. فعندما كان الإسلام السياسي غائبا عن المشهد السياسي القانوني وقاطرة للمعارضة السياسية ذات العمق الشعبي، كان أي تشريع صادم للوعي الديني سيخدم الإسلاميين، وكان سيبدو كما لو أنه حرب على الإسلام ذاته لا حربا على الإسلاميين. أما بعد تقنين الحضور الإسلامي وتدجينه، فإن أي تشريع -مثل رفع الاحترازات عن اتفاقية سيداو وإعطاء التأشيرة لجمعية شمس للمثليين- سيُطرح باعتباره حربا على ما يُهدد “النمط المجتمعي التونسي”، وليس باعتباره حربا على الإسلام ولا حتى الإسلاميين -فهم شركاء في حكومة الوحدة الوطنية-. هنا يجد النهضويون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الخضوع لإملاءات الغرب وابتزاز وكلائه المحليين بحيث يمكن لأي مشروع تغريبي أن يمرّ “توافقيا” -ويكتسب جزءا من شرعيته في الداخل والخارج من دعم الإسلاميين أنفسهم له-، وإما مواجهة هذا التحالف “الثقافوي” ورفض المقترح الرئاسي، وهو ما سيضعف “التوافق البراغماتي” ويجعل النهضويين عرضة للاتهامات النمطية حول ازدواجية الخطاب والفشل في تَونسة الحركة والالتقاء الموضوعي والمفهومي مع الإرهاب، ومعاداة المرأة وغير ذلك من التهم المعروفة.
2. قبول المقترح بتغيير التشريع الحالي وفرض المساواة بين الجنسين، ولكنّ هذه الفرضية ستؤجج الصراع الهووي وتزيد في حدة الانقسامات الاجتماعية بصورة لا تتحملها البلاد في ظل الأزمة الاقتصادية من جهة أولى، والخطر الإرهابي التكفيري من جهة ثانية. كما أنّ هذه الفرضية التي ستخدم نداء تونس في الاستحقاقات الانتخابات المقبلة، ستزيد في انحسار القاعدة الانتخابية لحركة النهضة؛ لأنها ستظهرها بمظهر المتواطئ مع التشريعات المعادية لهوية الشعب، بل للمعلوم من الدين بالضرورة. إنّ التسوية المسقطة على واقع سوسيو-ثقافي غير متقبل لها أو غير مستعد نفسيا وفكريا -بل تُحرم المرأة فيه حتى من نصيبها الشرعي الذي تكفله لها مجلة الأحوال الشخصية-، ستدفع من لا يؤمن بالتسوية من منطلق ديني او حتى عرفي إلى التحايل على القانون وإيجاد حلول قبل وفاته لضبط الميراث بصورة تقليدية، لا يمكن للدولة ان تطعن في قانونيتها. كما أنّ المساواة في الميراث قد تظهر جملة من الإشكالات التي ينبغي على العقل النسوي والحداثوي التفكير فيها بصورة جدية. فهذا العقل سيواجه مشكلة في مستويين على الأقل: أولا مستوى التعامل مع المنظومة التشريعية التي تتنزل فيها أحكام الميراث، أي في مستوى ما ستطرحه التسوية من مشاكل وقضايا على مجلة الأحوال الشخصية من جهة الالتزامات المادية بين الزوجين. ثانيا مستوى التعامل مع المساواة بعيدا عن الانتهازية والنزعة الذكورية المقلوبة. فحتى لا تتحوّل التشريعات إلى تأسيس لمركزية أنثوية ترث كل أمراض التمركز حول الذكر، ينبغي على المرأة أن تقبل مثلا بالتسوية في “التعيينات الفردية” -في انتظار توفير ثكنات خاصة تمكّن الإناث من القيام بواجبهن في الخدمة العسكرية-، كما يجب مراجعة مفهوم الإنفاق، ومعنيي المتعة والكفالة، وغير ذلك من الالتزامات التي تكتسب معناها -بصورة كلّية أو جزئية- من مجلة الأحوال الشخصية في صيغتها الحالية.
3. قبول المقترح بتغيير التشريع في اتجاه أن تكون المساواة اختيارية. وفي صورة اعتماد هذه الفرضية -التي قد تكون الأكثر براغماتية والأقرب إلى التعبير عن الحد الأدنى من مصالح الإرادات المتصارعة- فإننا سنجد أنفسنا أمام إشكال كبير: هل سيكون النظام الحالي للمواريث هو الأصل، مع تمكين من يريد اعتماد نظام التسوية في الميراث بين الجنسين من التنصيص على ذلك، أم ستكون التسوية بين الجنسين هي الأصل ويكون على من يريد اتباع النظام الشرعي التنصيص على ذلك؟ وقد يبدو أنّ هذه الفرضية الثالثة تُعطي لكل طرف حقه في التعبير عن قناعاته الدينية والفكرية، ولكنّ رمزية المعركة وعمق الرهانات السياسية التي تعكسها سيجعل من الوصول إلى “توافق” حول القاعدة القانونية أمرا بالغ الصعوبة. فإذا افترضنا أنّ الراغب في التسوية سيكون مضطرا إلى التعبير عن ذلك (عند جهة رسمية ما)، فإنه قد يكون هدفا للوصم الاجتماعي وقد يكون سلوكه سببا في النبذ ومدخلا للعنف الرمزي، بل حتى العنف المادي عليه. أما إذا ما افترضنا أنّ القاعدة ستكون هي التسوية مع جعل الراغب في اعتماد النظام الحالي ينصّ على ذلك (عند جهة رسمية ما)، فإننا سنواجه المشكل نفسه: سيظهر هذا الشخص في مظهر “الرجعي”، “المتخلف”، “الاستثناء”، “المستضعف” في دولة يُفترض بها أن يكون “دينها الإسلام”، وأن تكون هي “راعيته” الأساسية.
لتجنب الصراعات الهووية التي لا تخدم في نهاية التحليل إلا الطرف المهيمن على السلطة والثروة منذ بناء ما يسمى بدولة الاستقلال، وللإصغاء لكل الأنساق الحجاجية بصورة متكافئة وغير منحازة، يمكننا مبدئيا أن ندافع عن الفرضية الثالثة التي تجعل المساواة في الإرث اختيارية، وغير ملزمة لعموم المواطنين. فهذا المقترح سيضمن لجميع الفرقاء حقهم في الاعتقاد والتعبير والفعل على مقتضى ما يؤمنون به، ولكنه في الوقت نفسه لن يجعل هنالك منتصرا ومنهزما. فإدارة الخلاف بمنطق الحروب وبمفردات الصراع الوجودي، سيكون لها تداعيات كارثية على المجتمع التونسي ولو بعد حين. ولذلك من مصلحة الجميع أن يتعاملوا مع الأطروحات المختلفة عن أطروحتهم بجدية واحترام، بل من مصلحتهم أن يتجاوزوا هذا الإشكال وأن يفكّروا “معا” في القضايا الحقيقية التي تشمل التسوية بين النساء أنفسهن بعيدا عن هيمنة “النساء المدينيات” ومنظوراتهنّ البرجوازية، التسوية بين السواحل والقواحل، التسوية بين التونسيين على أساس المواطنة، وبعيدا عن منطق الاستعلاء الفكري أو الايماني أو الجهوي أو الفئوي.
ختاما، علينا أن ننبّه إلى أنّ الاختيارية لا تعني تعددية التشريعات بل تعني فقط التعامل مع مجموع المواطنين على مقتضى قناعاتهم، لكن بتشريع واحد يعبّر عن مختلف الإرادات والمصالح المتنازعة. ورغم وجاهة العديد من الحجج التي تقدّمها الخطابات الحقوقية التقدمية، فإنّ التحديث عندما لا يراعي الواقعين الفكري والموضوعي سيكون تحديثا “قسريا” و”فوقيا” يتحرك ضد قناعات أغلب الناس وليس بها أو معها. وهو ما سيفتح الباب لعودة المكبوت في كل أزمة يتعرض لها المجتمع. يعلّمنا الدرس القانوني أنّ أي تشريع لا يخرج عن ثلاث حالات: إمّا أن يكون مساوقا للمجتمع أو متقدما عليه أو متخلفا عنه. ولا شك في أنّ المساواة بين الجنسين هو تشريع متقدم على المجتمع ويسعى إلى “إنشاء” واقع جديد هو من منظور المدافعين عنه أكثر إنسانية وعدالة، -ولكنه منظور لا يمكن القول بأنه محل إجماع أو حتى توافق بين التونسيين-. ولذلك فإنّ التسوية في الميراث إذا لم تعبّر عن قناعات الناس ومصالحهم المادية والرمزية، ستثير من المشاكل التشريعية والاضطرابات الاجتماعية أكثر مما ستقدم من حلول. وأحسب أنّ الإيمان بالزمن والاشتغال على الأمدية الطويلة واحترام قناعات الناس وعقائدهم مع محاورتها باحترام وبعيدا عن منطق الوصاية والتسفيه -لكن دون التخلي عن المشروع المواطني الذي يضمن الحرية للأقليات، ويدافع عن حقها في ممارسة قناعاتها في إطار قانوني لا يكون بالضرورة متماهيا مع الضوابط الدينية- هي كل أمور أكثر براغماتية وفاعلية من فرض قوانين ستزيد في منسوب الاحتقان الإيديولوجي والانقسام الاجتماعي، وهي قوانين -رغم كل ادعاءاتها- لن تغير إلا قليلا في بنية السلطة وآليات توزيع الثروة التي تطحن الجنسين معا، وتجعلهما في خدمة المُركّب المالي-الجهوي-الأمني الحاكم بالوكالة عن القوى الدولية الناهبة قبل الثورة وبعدها.
“عربي21”

شاهد أيضاً

النخبة التونسية.. جزء من الحل أم مظهر من مظاهر الأزمة ؟

عادل بن عبد الله لا شك في أن أغلب النخب التونسية تنتمي إلى ما اصطلح …

من هم “الكفاءات المستقلة” ؟

عادل بن عبد الله هم أولئك الذين أداروا نظام بن علي الفاسد والتابع في الصفوف …

اترك رد