fbpx
الأحد , سبتمبر 26 2021

كن مع شعبك وإن فسق وتاه

الحبيب حمام

على خلاف موسى وعيسى عليهما السلام، حيث كانت دولتان الروم والفراعنة، أسس محمد صلى الله عليه وسلم دولة من وضع قبلي ممزق وحكم شعبا وسلك به سبل الرقي والتنظم.

أمر موسى شعبه بقتال الكنعانيين الجبابرة، فقالوا: “إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها” ثم أوغلوا في الفحش في القول: “قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون”.

فحكم الله على هذا الشعب المتعنت الجبان الفاحش في القول، بكلمة واحدة الفاسق، بالتيه: “قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين”. ولكن موسى وهارون كانا يخافان الله وعازميْن على القتال. عاشا مع الشعب الفاسق في التيه وهما براء من فسقه.

كما قلنا، كان موسى يعيش في دولة وحرر شعبه (قومه) من استبداد الفراعنة وخرج به إلى الحرية، فاختار الفسق والتيه. مع غياب الدولة في سيناء، نظم موسى أمر شعبه وأخرج منهم ممثلين (نقباء): “ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا”.

ونظم لهم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وأقام شكلا من الدولة رغم وضع التيه في سيناء. فعلم كل فريق من الشعب مشربهم: “قد علم كل أناس مشربهم”. ونظم لهم مأكلهم “وانزلنا عليهم المن والسلوى”. ونظم لهم اقتصادهم فقال لا تدخروا المن والسلوى واعتبر ذلك طغيانا: “كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي”. ووقاهم بإذن الله من شدة الطقس في صحراء سيناء “وظللنا عليكم الغمام”. في الخلاصة، هيأ لهم موسى بتوجيه من الله سبل الحياة الكريمة، وهذا من واجب الدولة. موسى كان لهم دولة.

موسى احسن الاختيار مع أخيه هارون، بينما أساء بقية الشعب الاختيار وكانت إساءتهم بالغة، وصفها الله بالفسق. رغم استقامة موسى وحسن اختياره رضي بواقع شعبه، وعاش معه التيه، ونظم له حياته، واستمر في إصلاح شعبه إلى أن لقي الله.

الشعوب، بعضها، أو جلها، أو كلها، قد تسيء الاختيار وتتحمل مسؤولية ذلك وقد تتيه. من أحسنَ الاختيار واجب عليه أن يعيش مع شعبه في كل اختياراته، وإن تاه وطمس عينه بقلم اختيار غير صائب، وعليه أن ينظم حياته، ويقيم له دولة، ويصلح أمره ما استطاع. اللهم أصرف عنا التيه وردنا إلى طريقك ردا جميلا، ووفقنا لما تحبه وترضاه.

شاهد أيضاً

الحاكم العادل ليس ذلك الذي يحضن المواطنين

الحبيب حمام مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قومٍ وعليه سائل يسأل، شيخ …

المشهد حاليا عبثي وينتظر أن يكون أكثر عبثيا في المستقبل

الحبيب حمام تونس تسير بالسرعة القصوى نحو المجهول. قد يقول قائل “لمَ تقول هذا؟ أنت …

اترك رد