fbpx
الثلاثاء , مايو 24 2022

هو جاب الاستقلال، واستنفعوا بيه الصحاح !

الطيب الجوادي
كنا في اوج أوسّو وكان اليوم قائظا: وكما في كل مساءات قريتنا الكافيّة، حين بدأت الشمس تتجه للمغيب، فرشت هنيّة كليما، وضعت فوقه جلدي خروف، و”نصبت القعدة” وراء المنزل الحجري، أشعلت الكانون ووضعت فوقه البرّاد، وراح الوالد يعالج مذياعه الناسيونال الذي اقتناه من ليبيا، وينتقل بين المحطات الأجنبية وقد أشرع هوائيه، وألصق أذنيه بمكبر الصوت، فجاة تناهى لنا من بعيد صوت غريب، سرعان ما تبينّا انه صوت “كرهبة بالأبواق” تعلن أن المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة سيزور ولاية الكاف ومطلوب منا أن نهرع جميعا لنستقبله، وسيتم توفير حافلات ستقلنا جميعا بالمجان!
أطفأ الوالد مذياعه، وغمغم بكلمات لم أتبينها، وبصق على الارض، وعاد لمذياعه يعالجه، وكانّ الامر لا يعنيه.
سألت هنيّة، وهي تملأ “كاس الطرابلسي” بشايها الأسود الثقيل وتنعنعه:
– يمّة اشكونوا المجاهد الأكبر؟
– رئيس تونس اجابتني، بدون حماس، هو اللي جاب الاستقلال وخرّج الاستعمار.
– اشنوة الاستعمار؟ تساءلت بسذاجة.
رمقني الوالد بنظرة نارية وطلب مني “باش نسكر جلغتي، خلي يسمع الأخبار”.
فهمست لي هنيّة
– وقت الاستعمار، وليدي، كانت امورنا مضعضعة، كان لا عندنا ضوء لا ماء لا طريق لا خدمة.
صمتت قليلا، وكأنها أدركت انني اكبر من أن تخدعني، فأضافت وهي تترشف شايها بانسجام: حتى تو، لا عندنا لا طريق لا ماء لا ضوء لا حتى شيء، أما هو جاب الاستقلال، واستنفعوا بيه الصحاح!
– واشكونهم الصحاح يمّة؟ هنا رماني الوالد بشلاكته ذات المقاس اربعة واربعين، وقرصتني هنية من كتفي وطلبت مني ان اغرب عن وجهها.

شاهد أيضاً

لعن الله من أفسد علينا طفولتنا

الطيب الجوادي تلاميذ الابتدائي سعداء هذه الأيّام بـ”كرنياتهم” يمنحهم معلموهم درجات مرتفعة جدا ومعها شهائد …

من أوراق مدرس في الزمن التونسي السعيد !

الطيب الجوادي الساعة العاشرة صباحا، أحثّ الخطى نحو قاعة الاساتذة عساي أظفر بكوب من القهوة …

اترك رد