fbpx
السبت , يونيو 12 2021

حزب العدالة والتنمية واختبار جديد للدّيمقراطية النامية في ربيع عربي ناعم

سليم حكيمي 

غدا الانتخابات التشريعية في المغرب، 7 أكتوبر 2016:

يستعد المغرب الأقصى يوم 7 أكتوبر الجاري لدخول تجربة برلمانية جديدة، ويخطو خطوته الثانية بعد انتخابات 2011 في بلد الربيع العربي الناعم الذي ابتدع ساسَته أسلوب التغيير في اطار الاستقرار والمنهج الإصلاحي بدل الثوري. تتنافس في السباق الانتخابي أحزاب عريقة ليبرالية ويسارية واشتراكية وحزب الاستقلال، شيخ الأحزاب، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشئ سنة 2008 ويعد المنافس الأبرز للعدالة والتنمية، في جو عنف انتخابي في مواجهة بن كيران الفائز في الانتخابات التشريعية 2011 والمحلية 2015. وتتواتر الأنباء عن ضغوط ضد شخصيات لمنعها من الترشح وتهجمات على مقر أحزاب وجمعيات، قررت اثره دوائر من الدولة العميقة الغائرة قلب الطاولة على الجميع. وليس ادل على ذلك من المسيرة التي انطلقت في الدار البيضاء سميت بـ”المسيرة اللقيطة” و”المجهولة الهوية”، دعت للإطاحة بالحكومة، علق عليها بن كيران بقوله “كل شيء بايْن” وجهت فيها أصابع الاتهام إلى وزارة الداخلية وحزب الأصالة والمعاصرة، ثم تطورت الأمور إلى المطالبة من قوى يسارية بمقاطعة الانتخابات أصلا، والترويج لعزوف الناخبين عنها والعودة بالبلاد إلى أجواء الاستقالة الانتخابية التي وصلت ذروتها في انتخابات 2007.

العدالة والتنمية، المحافظون المعتدلون : مسيرة ومسار :

حسم رافدان تجربة الاستقرار في المغرب :

  1. انطلق في العشرية الأخيرة مسار العدالة والإنصاف، ومصالحة الدولة مع المجتمع، وإجراء اصلاحات ديمقراطية بدأت تخيط جرح الاستبداد.
  2. الربيع العربي الطارئ الذي حسم خيار الديمقراطية وسرّع بها. وكان ذلك في بيان ملكي في مارس 2011 صبغ الفترة بالانفتاح الديمقراطي، خاف فيه الملك أن تاتي شرارات الربيع العربي على الأخضر واليابس.

ولكن السؤال اللغز، هو مدى قدرة “العدالة والتنمية” على اقتحام العقبة والصمود أمام خصوم عتاة لهم خبرة بوعَث الأرض والسياسة والدولة. تتعدد الأسباب والفلاح واحد: إذ لا احد ينكر خصوصية شخصية بن كيران وصحبه منذ دخولهم العمل السياسي عن طريق “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” مع حزب عبد الكريم الخطيب رجل القصر. حينها، كان النظام متحجرا، و لكن حاول الإسلاميون مرارا، وولجوا عالم السياسة من نافذة حزب لم يَدْرُجوا فيه. وخاضوا الانتخابات المحلية ثم التشريعية.

المشاركة وليس المغالبة:

هو شعار الحزب، إذ انتهى مبكرا إلى أن المؤسسة الملكية هي المؤسسة المحورية والضمانة للاستقرار، و تداعيات 20 فبراير 2011 بعد أحداث الربيع العربي سهلت على المؤسسة الملكية التعامل مع الإسلاميين. فقبيل ذلك التاريخ، كان من المفروض ان يقوم ائتلاف حكومي يقوده حزب “الأصالة والمعاصرة” و”حزب تجمع الوطنيين الأحرار”. ولكن تداعيات 20 فبراير 2011 الطموحة الى تغيير راديكالي كما هو الشأن في أحداث تونس، سهّلت لبن كيران المهمة. فاختار “العدالة والتنمية” منهج إصلاحيا وليس منهجا ثوريا، وابتدع فكرة التغيير في اطار الاستقرار بعد قراءة متأنية في الداخل والخارج بينت ان المنطقة المغاربية لم تعد تحتمل ثورة ثانية. قبل فيه بن كيران بتشكيل ائتلاف حكومي لا يحصل فيه حزبه على وزرات السيادة، واندمج في اللعبة الديمقراطية. وكان انسحاب “حزب الاستقلال” ممهّدا آخر لتواصل الحكومة رغم الإحراج الذي سببه رحيله للتجربة التشاركية برمتها. مشاركة “العدالة والتنمية” في الحكم كانت على أسس برغماتية سياسية واقعية، تراعي موازين القوى وأعراف السياسة ومنطق الحكم.

اسلوب التدرج:

عملا بقاعدة: “العاقل المُدبر خير من الأحمق المُقبل”. تجلى ذلك في عدم رغبة الحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 1997 بالاكتفاء بالترشح في دوائر محدودة حتى لا يلفت الأنظار اليه كثيرا، وحقق فوزا رغم محدودية الفرصة إذ شارك به 24 دائرة من أصل 325، حصل الحزب منها على 9 مقاعد أغلبها في الدار البيضاء. وكانت الخطوة تلك اثر قراءة في درسين:

  1. الدرس التونسي بعد الانتخابات التشريعية سنة 1989 زمن بن علي، لما ترشح اسلاميو تونس جماعيا ولم يعملوا بنصيحة الترشح في 5 دوائر فقط. فأعقب مشاركتهم الشاملة في الانتخابات وقبول الناخب بهم وعي لدى قوى داخلية وخارجية بانهم قوّة وجب لجمها، وانتهت التجربة آنذاك بتصفية حركة النهضة من الساحة لمدة 20 عاما.
  2. الدرس الجزائري مع “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” التي حصلت على 80% من الأصوات سنة 1990 وانتهت التجربة بانقلاب الجيش على المسار الانتخابي برمته وسحق المعارضة وقتل 250 الف جزائري.

وعي بضرورات الحكم والملكية الدستورية:

تجربة المغرب كان فيها رجال العدالة والتنمية للحكم قادة وللمؤسسة الملكية ذادة، رغم اتهام بقية الصف الإسلامي كـ”جماعة العدل والإحسان” لهم بموالاة الملكية وجائر سلطان. ولكنهم اعتبروا انفسهم حزبا سياسيا ليس معنيّا بمن يفوز بالجنة أو يصطلي بالسّعير، بل همّه سؤال التنمية والديمقراطية والعمل في انسجام مع المخزن في توازن دقيق حفظ حقوق المؤسسة الملكية وحقوق الحزب في الأن نفسه. لم يجد بن كيران نقيصة سياسية في التراجع، ولم يجعل من النزاع عن وزارات سيادية سببا للإحتراب والاضطراب، ولم ينازع القصر في مجاله الحيوي القديم. خاصة بعد أن ابدى الملك عزمه بمراجعة الدستور سنة 2011، انتهى به إلى تنازل عن صلاحيات دستورية لضمان سير دواليب الدولة. دخل اثرها الحزب في ائتلاف حكومي مع أحزاب علمانية يسارية حتى يجنب البلاد انفجارا، وأدار التجربة بمنطق التعايش السياسي، والخروج منها باقل فترة الحكم تميزت بتغليب الوطني على الحزبي، وتزامنت مع إجراءات موجعة وشجاعة لصالح الطبقة الشعبية صنعت الفرق ولوت الأعناق، كرفع الدعم عن المحروقات والانحياز للطبقة المسحوقة وقانون الجهوية المتقدمة أي الحكم المحلي، رفع فيه دخل التقاعد ل 10.500 أسرة من 140 درهم مغربي إلى 1000. ودخل رئيس الحكومة معركة طاحنة مع لُوبي الأدوية وخفّض سعر 1500 دواء ونسِب الفضل لوزير الصحة الشجاع “حسين الوردي” في الاقتراح بعد ان استكشف أن أسعار بعض الأدوية الحقيقي لا يتجاوز 200 درهم ولكنه يباع بـ4000 في الصيدليات، ووضعت منحة لفئة مسحوقة يبلغ عددها في المغرب 100.000 وهي فئة الأرامل فتوصلت الحكومة إلى إسناد منحة لـ 16.000 أسرة وربطت الأجر الشهري بعدد الأطفال ليحصل كل طفل في كفالة ارمله على 350 درهم وطال الأجراء أيضا العامل اليومي شبه العاطل الذي عمَده المرض وأقعده والذي يطلق عليه في المغرب “طَالبْ مْعاشو”. لتنكب الدولة على مشروع إصلاح التقاعد قبل أن تحل الكارثة ولن يحصل المغاربة على تقاعدهم بحلول سنة 2025، مما منح الحزب شرعية الإنجاز والإقناع والنفاذ إلى الأوساط الشعبية المعدمة في المغرب. وكان تكتيكا اثبت فيه “العدالة والتنمية” قدرته على البقاء في السباق وفهم السياق وعلى إدارة ملفات دولة لتبقى تجربة نادرة في المنطقة العربية وصل فيها الإسلاميون إلى السلطة ولم يغادروها.. عموما كان الإسلاميون في مستوى اللحظة. وكان موقف الناخب المغربي واضحا في رفضه للتجارب الحكومية السابقة التي لم تؤد إلى تغيير واقع الناس ومعاشهم ولم تسد مسغبتهم، ولذا كانت الرغبة الشعبية في منح الثقة والفرصة لمجموعة جديدة بأياد بيضاء.

ولكن التوافق هو من حكم اللعبة الديمقراطية، إذ سار كل شيء على مستوى التوافقات السياسية مع المؤسسة الحزبية للعدالة والتنمية التي تملك تاريخ عريقا في التوافق مع المؤسسة الملكية منذ ستينات القرن العشرين، وتطورت في صراع معين مع اليسار المغربي، معتبرة أن المؤسسة الملكية لم تكن معادية للدين، بل منه تستمد جزءا هاما من شرعيتها. فهم الحزب مضغة الاستقرار، و أراد خلاله بن كيران ان يحافظ على ثقة الملك فيه. إذ لا يمكن لحكومته أن تعمل في جو موتور مع اهم مؤسسة. ولان بنية النظام مركبّة على أن الصلاحيات الاستراتيجية الكبرى هي للملك، وعلى من يشاركه الحكم والنفوذ. وهذا الإدراك العميق هو احد مهيئات النجاح. فالحزب منذ تخلقّه الأول جنينا سياسيا في رحم “حركة الشبيبة الإسلامية” والجمعيات الأهلية التي انضوى تحت لوائها، انتهى الى بلورة تصور للعمل السياسي والاجتماعي واجتراح نظريات تفصل بين الدعوي والسياسي. بلغ فيه النّضج الأوج بتمعنه في غور تجربة “العدالة والتنمية التركي”، ويقينه بانها تجربة هامة يقف حيز النفع منها على الاستئناس والاقتباس، وليس الاستنساخ والانسلاخ، مع يقين قيادات العدالة والتنمية التركي بالإعجاز الاقتصادي للتجربة التركية. نهج الحزب منهج التواصل مع الطبقات الشعبية بخطاب شعبوي أحيانا، ولكنه صريح ونزيه حول الفساد ولوبيات المال والأدوية والنهب والغصب، وصف فيه بن كيران ناهبي الشعب للاقتصاد بالتماسيح، ومدبري الليل والنهار بالعفاريت. ولعب دورا أساسيا بفضل تجربته الكبيرة في العمل السياسي وبراغماتيته الواقعية التي مكنته من تقاسم الحكم مع ليبراليين ويساريين ووطنيين. رأى فيه خصومه قدرة فائقة على التنازل على شرعية انتخابية دستورية من اجل الحفاظ على الوفاق السياسي، ساندتها ظروف مواتية نسبيا كانخفاض أسعار البترول في العالم إلى 30 دولارا مما وفر لخزينة الدولة مبالغ هامة اصلح حبها شان العجز التجاري، ورغبة أحزاب وطنية في دعم الاستقرار. وكانت خيارات الحكومة الاقتصادية مدعومة من المحيط السياسي الدولي، خاصة الخيار الليبرالي الاقتصادي رغم سلبياته، اعتمدت فيه الحكومة قانونا جديدا للمالية شُرع في العمل به من عام 2016، كما بذلت السلطات نقديا وماليا، جهودا إلى تعصير النظام المالي المغربي، لجعل السياسة النقدية مواكبة لأفضل التطبيقات بالمعايير الدولية، وواصلت دعم تمويل النسيج الاقتصادي، خاصة المشاريع الصغرى والمتوسطة. وفرت الحكومة بفضلها نصيبا ماليا للاستثمار الوطني وعززت شبكة الحماية الاجتماعية لصالح الطبقة الأكثر فقرا وإملاقا وهشاشة.

التفكير يحدد المصير، أثبتت فه المدرسة المغربية في التفكير ريادتها. فيرى سعد الدين العثماني احد منظري الحزب انه: “ليست للدولة وظيفة دينية بالمرة.. ولا يمكن أن تكون للدولة وظيفة دينية لأنها مؤسسة سياسية.. ولأن حماية الدين ليست وظيفة دينية بل هي وظيفة سياسية». ومن هنا جاء سؤال التنمية بدل الأيديولوجيا والإنجاز الاقتصادي بدل التبشير العقَدي. تآكلت شعبية أحزاب يسارية وعلمانية مغربية عديدة أخفقت في اختبار تحسين الواقع سواء بالمنهج الإصلاحي أو الثوري، والعدالة والتنمية مقبل على فوز بلا ريب، ولكن العبرة ليست بتصدر مشهد الحكم، بل بالقدرة على حمل الأمانة في عصر ديمقراطي، لم تعد تستطيع السياسة فيه تجدي إنْ كان القصد منها الوجاهة والسّجاد الأحمر. تتقدم التجربة في عالم عربي أقطاره وشعبه بين حريق وغريق.

https://tadwinet.net/2016/10/08/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%8a%d9%81%d9%88%d8%b2-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ba%d9%84%d8%a8%d9%8a/

اترك رد